2017.12.12

الرئيسية /

عندما يصبح "اللاعنف" شكلا من أشكال العنف


2017-08-03 13:12:29


علي زبيدات - سخنين


قرأت، صدفة، مقالا كتبه أحد الناشطين الفلسطينيين في مجال حقوق الإنسان نشرته، ولا اظن صدفة،  إحدى الصحف اليهودية الأمريكية الليبرالية بعنوان:" احتجاجات الأقصى تدل على أن اللاعنف الفلسطيني قد وصل". ظاهر المقال كيل المديح للتحرك السلمي الفلسطيني لرفض بوابات التفتيش الإلكترونية التي وضعها الاحتلال الإسرائيلي على ابواب الاقصى ولكن جوهر المقال يذهب بعيدا إلى إدانة النضال الفلسطيني "العنيف" وإلى السكوت عن عنف وجرائم الاحتلال. حسب الكاتب مقتل الشرطيين الإسرائيليين وعائلة المستوطنين في مستوطنة حلميش هي جريمة مدانة قام بها أفراد لا يمثلون إلا أنفسهم ويعمى الكاتب عن رؤية أسبابها وخلفياتها التاريخية. وكأن الامر مفروغ منه، فالنظام مهما كانت طبيعته ومهما كان شكله يحق له احتكار العنف واستعماله  في كافة سلوكه وخطواته متى يشاء وكيفما يشاء أما ضحايا هذا العنف فيحق لهم في أحسن الحالات "الاحتجاج السلمي" فإذا تعدوه أصبح في عداد العنف المرفوض.

لقد غاب عن بال الكاتب أن "اللاعنف" الفلسطيني كان دائما هناك ولم يصل مؤخرا مع احتجاجات الأقصى الأخيرة. هل كان هناك عنف فلسطيني في عام النكبة 1948؟ هل بعض البنادق التركية القديمة تعد عنفا في مواجهة عصابات منظمة مدججة بالسلاح ومدعومة من قبل دولة استعمارية وتخاذل بل وخيانة دول عربية أخرى؟ فلو كان هناك "عنف" فلسطيني مواز ومساو واجه العنف الصهيوني لما حصلت النكبة اصلا. وهل كان الحجر في ايدي اطفال الانتفاضة الأولى في مواجهة الجنود المدججين بالسلاح والدبابات الإسرائيلية بمثابة "عنف" ممنوع اللجوء إليه؟ وهل استعمال الأسلحة البدائية التي وصفها بعض الفلسطينيين قبل الأجانب بالصواريخ العبثية خلال الحروب المتكررة على غزة  في مواجهة طائرات الاباتشي وأف 16 والقنابل العنقودية والفسفورية وغيرها هي أيضا "عنف"مرفوض ومدان؟ حتى فصائل المقاومة الفلسطينية في عصرها الذهبي لم تمتلك أكثر من كلاشينكوف وعبوة ناسفة بدائية.

فقليلا من التناسب وقليلا من الموضوعية يا فرسان حقوق الإنسان لن يضر أحدا. مأساة الشعب الفلسطيني إنه استعمل "اللاعنف" أكثر من اللازم ودفع مقابل ذلك ثمنا باهظا. المسؤول عن 99% من العنف في العالم هي تلك الدول "المتقدمة" "الديمقراطية" التي تتفنن في صنع كميات هائلة من الأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل للقتل والدمار وتستعمله ضد الآخرين وتبيع ما تبقى منه للآخرين ليستمروا بالقتل والدمار، ودولة إسرائيل بالرغم من ضآلة حجمها تعد سادس دولة في العالم من هذا الصنف. مثل الذين يسكتون ويتغاضون عن هؤلاء ويقيمون الدنيا ولا يقعدوها على الغلابة الذين لا يملكون سوى بعض مخلفات الجيوش النظامية أو سوى أنفسهم ليفجروها كمثل من يسكت عن غاصب شرس ويلوم المغتصبة التي خدشت وجه مغتصبها أثناء مقاومته والدفاع عن نفسها. وفي نهاية المطاف لا يمت ذلك بحقوق الإنسان بأية صلة.  لو كرس أنصار نظرية "اللاعنف" والنضال السلمي بعض نشاطهم لمواجهة تجار الموت والدمار هؤلاء لاختفى العنف بكافة أنواعه وأشكاله.

القانون الدولي يكفل حق الشعوب المضطهدة التي تناضل من أجل حريتها وتقرير مصيرها استعمال كافة وسائل النضال بما فيها الوسائل "العنيفة". ولكن عندما يمارس شعب حقه هذا ينبري لمعارضته ليس فقط الدول والأنظمة التي تضطهده بل أيضا العديد من المنظمات التي تطلق على نفسها "منظمات حقوق الإنسان". بالمقابل يدين القانون الدولي ويحرم الحروب العدوانية والاستعمار ولكن عندما تشن إحدى الدول حربا عدوانية نرى المفارقة تصرخ حتى السماء في صمت هذه المنظمات وفي بعض الأحيان تواطؤها.

ولكي لا افهم خطأ، أنا لست ضد النضال السلمي واللاعنفي، فكل فرد أو مجموعة تعرف ظروفها وتعرف امكانياتها وتختار على ضوء ذلك وسيلة النضال التي تلائمها في ذلك الوقت وذلك المكان المحددين. كل ما أردت التركيز عليه هنا هو حقها في استعمال الوسائل الأخرى إذا كانت نابعة عن موقف أخلاقي راسخ مساند للحق والعدالة. سلاح النقد هام جدا ولكنه لا ينفي ضرورة النقد بواسطة السلاح حسب الظروف الملموسة. وكما قال لينين:" إن شعبا مضطهدا لا يسعى لتسليح نفسه فإنه يستحق أن يعامل معاملة العبيد".

إن الفرية التي توجهها الدول الإمبريالية والأنظمة الاستبدادية التي تدور في فلكها حول عنف وإرهاب كل من يعارض ويقاوم سياستها وتكررها "منظمات حقوق الإنسان حولت "اللاعنف" شكلا من أشكال العنف الذي يلاحق الثوريين.

سوف يبقى اللاعنف الفلسطيني موجودا بل سوف ينمو ويترعرع أكثر كلما تراجع العنف الإسرائيلي. ومن حق الشعب الفلسطيني ممارسة كافة اشكال النضال الشرعية لتحقيق هذا التراجع حتى إزالته نهائيا.




للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع