2018.10.18

الرئيسية /

ما بين تايوان وإسرائيل


2018-08-09 20:12:40


علي زبيدات: سخنين


لا أدري إذا كانت هذه القصة حقيقية أم أنها دعاية من صنع خيال ابتدعها شخص مجهول ورددها الفلسطينيون لفترة من الزمن حتى أصبحت تبدو وكأنها قصة حقيقية. وبما أن تاريخية أو واقعية القصة ليست هيالمقصودة بل رمزيتها فإني لا أرى هناك فرقا جوهريا في كلتا الحالتين.

تقول القصة (الدعاية): في بداية سنوات السبعين وفي أعقاب قبول الصين الشعبية للأمم المتحدة وانتزاعها العضوية الدائمة في مجلس الأمن من الجمهورية الصينية (تايوان)، بعثت دولة إسرائيل وفدا كبيرا للصين الشعبية مهمته إقناع الصين الشعبية بالاعتراف بها والعمل على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الدولتين. ويقال أن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ سأل الوفد: كم يبلغ عدد سكان دولتكم التي تتكلمون عنها؟ فأجابوه: حوالي ثلاثة ملايين. فرد عليهم بسخرية: وفي أي فندق تنزلون؟ وعاد الوفد خالي الوفاض يجر ذيول الخيبة.

ولكن ما علاقة تايوان وإسرائيل بهذه الحكاية؟ للاجابة على ذلك يجب العودة قليلا إلى الوراء. عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل في ايار/مايو 1948 كانت تدور في الصين حرب اهلية طاحنة بين الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ من جهة والحزب الوطني الصيني بقيادة تشيانغ كاي شيك من جهة أخرى. وكانت هذه الحرب تقترب من مراحلها الاخيرة. في أكتوبر/تشرين أول 1949 سيطر الحزب الشيوعي على معظم الأراضي الصينية وأعلن استقلال جمهورية الصين الشعبية التي تشكل أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. أما فلول الحزب الوطني الصيني فقد فروا إلى جزيرة تايوان تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأوروبية الاستعمارية واعلنوا عن قيام جمهورية الصين كممثل "شرعي" لكل الشعب الصيني ولكل الأراضي الصينية. طبعا، دولة إسرائيل الوليدة لحقت ربعها واعترفت بالجمهورية الصينية (تايوان) ولم تعترف بالصين الشعبية. وبعد فترة قصيرة انضمت إلى أمريكا في الحرب الكورية التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات والتي شاركت بها الصين الشعبية إلى  جانب الشعب الكوري. ومن ثم وقفت إلى جانبها في حرب فيتنام وكمبوديا ولاوس. وسرعان ما تبين أن دور إسرائيل لا يقتصر على خدمة المصالح الامبريالية في الشرق الأوسط فحسب بل وفي جنوب شرق آسيا وفي كافة ارجاء العالم أيضا. وبكل وقاحة، حاملة هذا الدور على أكتافها، جاءت تطلب الاعتراف من القيادة الصينية الثورية حينذاك.

لنعود إلى تايوان، أو بالاحرى إلى "الشرعية الدولية" المزيفة التي جعلت منها دولة عظمى لتكون واحدة من خمس دول تتمتع بحق الفيتو. ولكن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال. في بداية سنوات السبعين بدأ العالم يعي أن الصين الشعبية هي الدولة العظمى وأن الحماية الامبريالية مهما بلغت قوتها وشراستها لا تستطيع أن تمنح الشرعية لمن لا شرعية له. وهكذا عادت تايوان أو كما ما زال البعض يحب أن يسميها بالجمهورية الصينية إلى حجمها الطبيعي.

لا تختلف "الشرعية الدولية" التي فازت بها دولة إسرائيل عام 1948 من حيث الجوهر عن شرعية تايوان الدولية. وإذا كانت هناك بعض الجوانب للمقارنة فجميعها تصب في صالح تايوان. إذ كان الصراع في الصين،على الأقل وفي نهاية المطاف، بين طرفين صينيين أصليين واستمر لسنوات طويلة وكان من المحتمل نظريا أن تكون الغلبة لصالح الحزب الوطني وأن يصبح هو الحزب الحاكم على كل البلاد. لمعرفة أسباب هزيمة هذا الحزب يجب دراسة الثورة الصينية بعمق على مدار النصف الأول من القرن العشرين.

أما الحركة الصهيونية التي تحولت بعد نصف قرن من تأسيسها إلى دولة أطلقت على نفسها دولة إسرائيل، فقد نشأت وترعرعت كحركة استعمارية بعيدا عن فلسطين لا تملك لتحقيق مشروعها حتى ولا ذرة واحدة من الشرعية، لذلك تكالبت كل القوى الاستعمارية لفبركة "شرعية" بل "شرعيات" كل واحدة تبز التي جاءت قبلها بفقدانها للشرعية. فإذا كانت البداية مع وعد بلفور مرورا بقرار الانتداب ومن ثم قرار التقسيم وإعلان الدولة فإن النهاية كانت سن قانون القومية العنصري الذي يعد تتويجا لهذه "الشرعيات" المفبركة.

لقد آن الأوان لبدء العمل لإعادة الشرعية الحقيقية لأصحابها ولمكانها الصحيح، وإن جاء ذلك متأخرا. فمن الأفضل أن يجيء متأخرا من الا يأتي أبدا. المرحلة القادمة تتطلب العودة إلى الجذور، إلى الأصول، وعدم الاكتفاء بالغاء أو تعديل هذا القانون أو ذاك أو مواجهة هذه السياسة أو تلك. كما تم نزع الشرعية عن تايوان وإعادتها للصين الشعبية ينبغي نزع الشرعية عن نظام الأبرتهايد الصهيوني وإعادتها لفلسطين.




للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع