2018.11.16

الرئيسية /

هل نستطيع وقف العنف ام انها معركة خاسرة !


2018-09-03 18:52:02


عوض عبد الفتاح


 لو أراد أيّ واحدٍ منا  تدوين ما نراه بأِم عيننا من مظاهر عنف يومية ، بمستويات مختلفة ، لاحتجنا الى مجلدات . فكم بالحري لو أردنا تدوين ما يحصل في كل لحظة ولا نرى جميع هذه الحالات  . هي مظاهر لا تنتهي بكارثة إنسانية غالبا ، إما بسبب توسط اخرين ، او ارتداع المتورطين في اللحظة الاخيرة عن الذهاب بعيدا في خلافاتهم ، او في شجاراتهم . ولكنها في النهاية هي مظاهر  عنف مُضرة ومقلقة ، وتعكر صفو الحياة اليومية ، وتترك جروحا نفسية في المتورطين وفي الناس المحيطين  . هي شجارات داخل الاسرة ، بين الزوج والزوجة ، او بين الابن وابنه او ابنته ، هي خلافات او شجارات بين الجار وجاره ، على مترين او ثلاثة أمتار من الارض ، هي خلافات على ״ صفة سيارة ״ ، هي خلافات بين الطلاب في المدرسة ، هي خلافات من بقايا انتخابات السلطات المحلية سواء فردية او جماعية ، هي خلاف وتلاسنٌ بين مواطن ورئيس سلطة محلية ، يبدأ  باستعمال الكلام العنيف، او العصي ، وينتهي احيانا الى أستعمال السلاح الناري  . مطاهر العنف هذه هي  ايضا نتاج تورط في السوق السوداء التي باتت طاعوناً يفتك بألاف الناس ، وتعود أسباب الكثير من هذه الحالات الى مرض الاستهلاك ، الذي يحوّل الرجل او المرأة الى مراهق او مراهقة ،او الى  طفلٍ يريد ان يشتري كل شيئ بغض عن القدرات المالية  . هي ايضا  نتاج الانزلاق الى السكر والإدمان عليه ، وفقدان الهيبة والدور . وهي ايضا تجد تعبيراتها على صفحات الفيسبوك ، في الفاظٍ قاسية ، ومشينة .

    انها ظواهر  نعيشها  منذ  سنوات طويلة ، نخرج عن طورنا عندما تطلق النار او تستعمل السكين لتغييب امرأة او رجل ، شاب او فتاة ، ثم نعود الى حياتنا الطبيعية ، لنألف مظاهر العنف اليومية العادية التي لا ينته غالبها بالضرورة الى قتل ، ولكنها مشينة وتُعكٰر صفو الحياة الفردية والاجتماعية  . العجز هنا عن مواجهة هذه الآفة القاتلة ، يتساوى  بين الفرد العادي والقيادات – هيئات تمثيلية ، احزاب ، ادارة مدارس ، لجان شعبية ، لجان أولوياء الامور ، لجان صلح . ونحاول قدر الإمكان اخفاء  احباطاتنا ، التي تصل أحياناً الى حد نزع ثقتنا بقدراتنا  ، نخفي كل  ذلك لأننا نخشى من التسبب في زيادة حالة الاحباط العام ، واليأس ، وما يمكن ان ينتج عن هذا اليأس . وربما من اجل التغطية على الفضيحة .

 الكثير منا ، كأفراد ، يتدخل في مسعى لفض شجار ، او في منع  خلافٍ بين طرفين . وأحيانا ، ينجح أفراد ، وكذلك لجان الصلح ، في منع  حالات خلافية  من الانزلاق الى كارثة . غير ان حجم المشكلة اكبر من ذلك ، وتحتاج الى قدرات هائلة ، منظمة ، وموجهة  على مستوى المجتمع . القدرات البشرية موجودة ، والانجازات التي حققها الفلسطينيون ، رغم اثار النكبة الكبرى ، كبيرة و تثير الإعجاب ، ولكنها غير منظمة ، والمؤسسات العربية القائمة تفتقر الى الاستراتيجية  الكفيلة بمواجهة متطلبات المرحلة الحالية التي يعيشه مجتمعنا الفلسطيني ، وخاصة مع تزايد اعداد الاجيال الشابة الباحثة عن معنى لحياتها ، وعن الأمان ، في التعليم والعمل ، وبناء البيت وتكوين أسرة  . والاخطر اننا نواجه خطورة فقدان الكثير من هذه الإنجازات ، والذي سيقود الى اتساع مظاهر التفكك المجتمعي .

إن التفكك المجتمعي هو تفكك مادي واخلاقي  ، والذي يعني تآكل قيم الاحترام المتبادل ( بين الكبير والصغير ) وداخل الاسرة ، وقيم التضامن المجتمعي ، وشيوع مظاهر الفردانية المتمثّلة في حب الاستهلاك والتمحور في الذات ، اي الانانية التي تجعل الامتلاك ، امتلاك الشئ اهم من الانسان والروابط الاجتماعية والأنسانية . هكذا تخرج الامور عن السيطرة ، ويتحول المجتمع الى قطيع ، قطيع مستهلك ومُبذّر ، وغارق في الفقر ، ومن ثم العنف بكل اشكاله الكلامية والجسدية . وبدل ان نتضامن مع بَعضنا  ونحاول المساعدة ،  إما نتشفى بالشخص المتورط  ، او نقوم باجترار الحديث عنه لتمضية وقت الفراغ .

 

                     لماذا نحن على هذه الحالة ! وكيف الخلاص ! الا نحتاج الى  ثورة

 

 هناك من يعتقد انه اذا كتبنا كل يوم عن العنف ، وصرخنا ، وتظاهرنا ، وعقدنا  المؤتمرات نجد الخلاص .

نعم لقد بات الامر خطيرا، ومحزنا ، وصادما ، خاصة حين نستيقظ كل يوم ، او لا ننام ، الا و سمعنا نبأ عن قتل ، أوشجار . و هذا ردّ فعل طبيعي ، نابع من انفعال عاطفي إنساني طبيعي فور سماع الخبر عن  الجريمة ، اذ يقتحمك شعورٌ بالخوف من وصول العنف إليك  . غير ان شكل الردود هذه ، بات يثير الاحباط اكثر مما يولّد الأمل  .

  نحن نحتاج الى ثورة حقيقية ، ثورة على النظام الذي احتلنا ، عام ١٩٤٨ ، النظام الذي طرد نصف شعبنا بطريقة همجية ، النظام الذي قرر من اليوم الاول ابقاءنا ضعفاء ، وأميّيين ، وحطابين وسقاية ماء ( على حد تعبير  المستعمر الصهيوني ، اوري لبراني ١٩٧٥ ) ، نحن الذين نجونا من النكبة و الذي فرض علينا المواطنة الإسرائيلية  ، من خلال تجريدنا من معظم  مقومات النهوض والتطور الطبيعي . جردنا هذا المستعمر من الارض ، التي نحتاجها  لنتوسع عليها ، ونبني اقتصادنا ، ومؤسساتنا التعليمية ، والثقافية . هدم مدننا الكبرى ، حيفا ، يافا ، اللد ، الرملة ، عكا ، وحول من تبقى من سكانها ، واحياءها الى احياء فقر . حاصر قرانا بالمستوطنات اليهودية ، وضيّق مسطحات البناء ، ولم يبن بلدة عربية واحدة ، منذ سيطر على البلاد ، وبنى مئات المستعمرات اليهودية ، دون ان يسمح للعرب بالسكن بها . ويضطر العمال العرب الى السفر يوميا  الى المراكز اليهودية للعمل في البناء والمطاعم ، وقطاع الخدمات . يصل عدد  ساعات السفر وحده ، ذهابا وإيابا الى اربع ساعات ، لمن يخرج من بلدات الجليل الى منطقة تل أبيب ، بعد ثماني ساعات عمل  . انها عملية تعذيب يومية  . طبعا عذاب العمال ، من ابناء شعبنا في الضفة الغربية ، مضاعف ، ومهول .

ولدت اجيال جديدة داخل الخط الاخضر ، عشرات الألاف ، اجيال تريد عيشا طبيعيا وأمنا معيشيا . المكان الذي بقي لنا لا يتسع لها. و بسبب فقدان الارض ، اتجه الآباء الى تشجيع ابنائهم  على التعليم الجامعي، ليس فقط كشرط حضاري ، بل في الاساس كطريقة للبقاء ، والتطور في وطننا . لدينا اليوم عشرات الألاف من الطلاب والخريجين الجامعيين ، القليل منهم يعمل في مجال تخصصهم . نعم لدينا نخبة متعلمة متألقة وواعدة في كافة المجالات ؛  التعليم ، الطب ، الهندسة ، و الهايتك ، ولدينا نخبة واسعة نسبيا  من الكتاب والاُدباء الشباب ، المرتبطين بالهم العام . لكن غالبية الجيل الشاب ، بدون عمل ، وبدون بيت ، فماذا يقول القانون الاجتماعي ازاء مأزق الشباب .

  لقد قال مقولته في انتفاضات وهبات شعبية عارمة ، كان أوسعها واخطرها ، الهبة الشعبية أكتوبر ٢٠٠٠ في الجليل والمثلث والنقب . وقالها الشباب العربي ، في تونس ، ومصر ، واليمن ، والبحرين ، والسعودية ، وسوريا والعراق والأردن ، وغيرها من أقطار العالم العربي ، في انتفاضات مهولة ومرعبة . وقالها في بقاع مختلفة من العالم . الشعوب لا تسكت على الظلم ، حتى لو نجح الطغاة  في الانتصار على ثوراتها ، في مرحلة ما .

   يقول القانون الاجتماعي ، عندما يعجز الشعب المقهور عن تنظيم نفسه ضد القاهر ، يتحول العنف الى داخله .

وهذا ما بدأ يحصل في مجتمعنا الفلسطيني داخل الخط الاخضر ، في السنوات الاخيرة ، وهو مرشحٌ للاستمرار .  فقدنا القيادة التقليدية ، التي شكلت مرجعية للناس في سلوكهم وحل خلافاتهم  ، التي ظلت فاعلة الى حدٍ ما حتى أوائل الثمانينات ، حين حلت محلها القوى الوطنية السياسية ، التي فرضت هيبتها حتى ما بعد الهبة الشعبية ، بسنوات . اذ تمكنت القوى السياسية ،حتى سنوات خلت ،  من توجيه غضب الناس ضد المؤسسة الصهيونية ، وبالفعل تحققت إنجازات كبرى . غير ان العقد الاخير ، شهد تراجعا  انحسارا في وزن إلهيات الوطنية ، التمثيلية والحزبية ، وفشلا ذريعا في تجديدها ، وضخها بطاقات جديدة .

  اذا ، مواجهة العنف تتطلب  شرطين أساسيين :

 

الاول ؛ الفهم العلمي لخلفية العنف ، السياسية ، الاقتصادية الاجتماعية ، وبطبيعة الحال الثقافية . يجب تعميم ثقافة فهم المسببات الحقيقية لايٍ ظاهرة اجتماعية ، بين الناس ، وخاصة بين من يجب ان يضطلع بمهمة التصدي للظاهرة . ان توجيه الغضب كله نحو الذات ، كالقول اننا شعبٍ متخلف ، هو تضييع  البوصلة ، وتضييع للجهد ، وتبرئة المجرم الرئيسي ، ألا وهو المؤسسة الصهيونية . وكما ان شتم المؤسسة الصهيونية ، دون ادراك مسئوليتنا نحن كمجتمع ، وكمؤسسات ، ايضا هو هروب من هذه المسئولية .

الثاني ؛ التنظيم الذاتي . ليست  الضحية هي التي جلبت الاستعمار الى أرضها ، ولكنها تتحمل المسئولية عن استمراره ، عندما لا تقاوم ، وايضا عندما لا تقاوم بطريقة منظمة وناجعة . الفلسطينيون ، داخل اسرائيل ، خرجوا من مقاومتهم  السلبية ، بعد هبة يوم  الارض ، ومنذ تلك الهبة ، قطعوا شوطا كبيرا في مجال تنظيم أنفسهم ، وتمكين ذاتهم . وهكذا تحولوا الى رقم صعب في معادلة الصراع داخل فلسطين .

ليس هذا ما تمناه نظام الابارتهايد الكولونيالي ، ولذلك أعاد انتاج سياسات استعمارية وعنصرية  قديمة بمستويات اعلى وبأشكالٍ جديدة قديمة ، بهدف تقويض ما حققناه من إنجازات وطنية ، وتعليمية ، واقتصادية .

المعضلة ، تكمن في عجز من لا يزال يمسك بقيادة الموسسات التمثيلية ، عن فهم المرحلة ، فهمًا استراتيجي ، وبالتالي ضرورة الانشغال بتفكير استراتيجي مضاد ، يقوم على البناء المنهجي ، وتنظيم المجتمع ودفعه الى الثورة على هذا النظام ، وليس على رد الفعل . وللتوضيح ، اقصد بالثورة ، اولا : اعادة بناء المؤسسات  التمثيلية ، وفِي مقدمتها الصندوق القومي ، ولجانها الفرعية المؤهلة . وثانيا ، بناء هيئة شعبية موسعة ، تستند الى لجان شعبية ميدانية ، تضع خطة مقاومة شعبية مستمرة ، سلمية ، مدنية ، تستمر لسنوات ، وان لا يخلو اسبوع واحد من وقفات ، تظاهرات ، اعتصامات ، خيم احتجاجية ، مظاهرات في الشوارع ، محاضرات في المدارس ، نشاطات فنيه وثقافية في الشوارع ، و تحويل حفلات الاعراس  الى أعراس وطنية ، و ضرورة تقليص تكلفتها للتخفيف عن صاحب العرس وعن الناس عموما  اما الاستجمام الذي بات إدمانا عند البعض ، وليس ممارسة طبيعية للترويح عن النفس ، فلا بد من العمل للاقلاع  عنه ، وذلك مراعاة لظروفنا ، وتجنبا للديون المترتبة عنه   .

هدف  هذه النشاطات هو اعادة بناء الأمة ، وتفعيل المجتمع بكافة شرائحه ، من خلال تفعيل الحقل الثقافي ( ثقافة الانتماء الى شعب ، وهوية وطنية ، وثقافة التطوع والانخراط في الاحتجاج ، والنضال ) . كل هذا لا يمكن ان ينتظم بدون رأس قيادي ، مؤهل ، شجاع ، حكيم ، متفانٍ .



 

                      

 

 

 


للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع